استأذنت من الحفل البسيط الذي أقمناه توديعا لرقيتنا التي ستذهب باكرا عنا ، لعلي أحظى بقسط من النوم يريحني ،
الباب مُقفل ، أطرقه ، لعل مُزنة بالداخل وقد نسيته مقفلا ونامت ، آه لكن لا أظنها وصلت بعد ، ربما أقفل أحدهم الباب !
هرعتُ إليهن ، أقول: الباب مقفل !
توقعنا أن مزنة فعلا نائمة بالداخل فهي قد عادت، لكنني لم أكن متأكدة من ذلك تماما.
كانت تلك اللحظات تحمل شعورًا غامضًا ، فلا أحد منا يعرف السبب الحقيقي وراء ذاك الباب المقفل ولا نعرف متى سيُؤذن لنا بالدخول لغرفتنا ، الجدير بالذكر أن مصاحفنا ودفاترنا وهواتفنا كذاك بالداخل !
تسابقت كل واحدة ممن شهدت الموقف لتستضفينا معهن ولذلك أثر طيب في نفسي.
مضينا لغرفة ميعاد وعهود ، اعتدنا قضاء أوقات ممتعة معهن لكن ثمة شعور يداهمني فأنا أشعر بالضياع!
قد أجد إيواءً ولكن ليس كبيتي ، سأجد مكانًة ولكن ليس كمكانتي في بيتي وحرية التصرف التي أملكها فيه ، أقول بيتي لأني دأبت على تسمية غرفتنا بيتنا .
بدأت أتذكر أفواج السوريين الذين اضطرتهم الظروف لترك بلادهم فأصبحوا في دارٍ غير دارهم ، تذكرت كيف كان يتصرف كل منهم بأملاكه ويشعر بحريته وإذا به في بلاد غير بلاده ولو بالغوا في الإكرام لما وازى ذلك شعوره في بلاده.
كنت أعتقد بمرارة ذلك الفقد ، فقدان تلك التراب التي احتضنت أولى خطواتك وارتوت لأرقى إنجازاتك وسموت فيها وتنفست هواءها حبًا ، لكن صدقًا ذلك الموقف جعلني أُحسُّ بقليلٍ مما أحسوه .
كيف يبدو المرء حزينا، ووحيدا ، وتائها وهو بعيد عن بلاده وكأنه طفل فارقت عيناه أمه ؟
سرعان ما تبادر لذهني عظم التضحية التي قدمها المهاجرون حين تركوا وراءهم بلادهم التي تربوا فيها والتي ضمت أملاكهم وثرواتهم ليذهبوا إلى مكان آخر ليس لهم فيه شيء وربما لا يعرفون أحدا فيه وكل ذلك حفاظا على دينهم !
فهل تخلينا مثلهم عن كل شيء أحببناه وظنناه ضروريا إذا كان وجوده بيئة غير ملائمة لعقيدتنا؟
هل جربنا أن نهاجر بيتنا الكبير ونترك أرضنا المليئة بالمزروعات المثمرة ؟ هل جربنا أن نترك بلدا فيه تربينا وفيه عزنا والناس فيه يعرفوننا لبلد جديد لا يعرفنا فيه أحد؟
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)
[سورة إبراهيم 13]
الخروج أم الضلالة؟
الآخرة أم الدنيا؟
لا شيء كالوطن أبدًا. ولا ضياع يشبه فقد الوطن.
ردحذفلو علمت مزنة أنك ستكتبين هذا الاستشعار لأغقلت عليك الباب كل يوم.
شفاف نقي فكرك هاجر، لو كان كل الناس مثلك لغدونا بخير وسلام!
فخورة أن لي رفيقة غرفة مثلك، واسألي أمي عنه!
سلام عليك.
أحببتُ الربط كثيراً! رائعة أنتِ يا هاجر💗
ردحذفجمالك هاجر، سمعت هذا الموقف ضمن حكايات مزنة عند الغداء، ولكنه يبدو موقفًا مختلفًا هنا.. رائعة أنتِ 💙
ردحذف